يناقش الباحث أمير عسكر في بداية مقاله التحول الذي تتبناه الحكومة المصرية لمواجهة أزمتها المالية المتفاقمة، عبر الاعتماد على ما يعرف بـ«تسييل الأصول والأراضي» بدلاً من الاقتراض التقليدي، في محاولة لتخفيف عبء الديون وجذب العملة الصعبة. لكن المقال يطرح تساؤلات عميقة حول جدوى هذه السياسة، خاصة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية على المواطنين واتساع الفجوة الاجتماعية.
ونشر أتلانتيك كاونسل التقرير الذي يرصد كيف تحولت الأراضي العامة في مصر إلى أداة تمويل رئيسية عبر شراكات ضخمة مع مستثمرين خليجيين وصينيين، بينما بقيت الأزمات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد المصري دون حلول حقيقية.
ديون متصاعدة واقتصاد يضغط على المواطنين
يشير المقال إلى أن الدين الخارجي المصري قفز إلى نحو 163 مليار دولار بحلول مارس 2026، مع التزام القاهرة بسداد ما يقارب 8 مليارات دولار سنوياً كفوائد فقط، وهو ما يلتهم جانباً كبيراً من موارد الدولة بالعملة الأجنبية ويحدّ من قدرتها على تمويل مشاريع تنموية جديدة.
ويرى الكاتب أن الحكومات المصرية المتعاقبة اعتمدت لسنوات على القروض والمساعدات الخارجية وبرامج صندوق النقد باعتبارها أدوات أساسية للاستقرار الاقتصادي، لكن هذه السياسات دفعت الاقتصاد إلى دائرة مفرغة من الاقتراض والتضخم وتراجع قيمة الجنيه.
ويؤكد المقال أن نحو 30 بالمئة من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما تكشف معدلات المشاركة الضعيفة في سوق العمل عن بطالة أكبر من الأرقام الرسمية المعلنة. كما يسيطر الاقتصاد غير الرسمي على نسبة ضخمة من الوظائف، ما يعكس عجز الاقتصاد المنظم عن استيعاب الباحثين عن العمل.
ويحمّل التقرير جزءاً من الأزمة لسياسات اقتصادية ركزت على المشاريع العقارية الكبرى والاستثمارات الموجهة للنخب، في وقت يعاني فيه المواطن العادي من ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية وانخفاض قيمة العملة المحلية بصورة متواصلة.
بيع الأراضي بوصفه حلاً مؤقتاً
يعرض المقال مشروع رأس الحكمة باعتباره النموذج الأبرز لسياسة “تسييل الأراضي”، بعدما قدمت الدولة آلاف الأفدنة على الساحل الشمالي كشريك عيني مقابل استثمارات إماراتية ضخمة تجاوزت 35 مليار دولار.
ويشرح الكاتب أن هذه الصفقات تمنح الحكومة تدفقات سريعة من الدولار تساعدها على تخفيف الضغط على الاحتياطي النقدي وسداد الالتزامات الخارجية، دون إضافة ديون جديدة. لكن العوائد طويلة المدى تبقى مرتبطة بمصالح المستثمرين الأجانب واتفاقات تقاسم الأرباح.
ويتكرر النموذج نفسه في مشروعات أخرى مثل “ألماظة” و”العلمين” والعاصمة الإدارية الجديدة، حيث توفر الدولة الأراضي بينما تتولى شركات خليجية وصينية التمويل والتنفيذ والتطوير.
ويرى المقال أن هذه السياسة تمنح الأولوية لمشاريع عقارية وتجارية ضخمة تستهدف الفئات الأعلى دخلاً والمستثمرين الدوليين، بدلاً من توجيه الموارد إلى قطاعات أكثر ارتباطاً بحياة المواطنين مثل الصناعة والتعليم والصحة والزراعة.
كما يحذر الكاتب من تحول الدولة إلى اقتصاد يعتمد على بيع الأصول والأراضي كمصدر تمويل دائم، بدلاً من بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي قادر على خلق وظائف مستقرة وتحسين مستويات المعيشة.
النخب الرابحة والمواطن الخاسر
يربط المقال بين التوسع في هذه المشروعات وبين تحالفات اقتصادية وسياسية إقليمية، إذ ترى دول الخليج في استقرار مصر ضرورة لحماية مصالحها الأمنية والسياسية، بينما تسعى الصين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي داخل الشرق الأوسط عبر مشاريع البنية التحتية والاستثمار العقاري.
لكن الكاتب يلفت إلى أن المواطن المصري لا يجني بالضرورة ثمار هذه الاستثمارات الضخمة، خاصة مع استمرار التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع الخدمات العامة.
ويؤكد أن بيع الأراضي وتطوير المدن الجديدة قد يحقق سيولة مؤقتة ويخفف الضغوط المالية العاجلة، لكنه لا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية المتعلقة بضعف الإنتاجية وتضخم دور الدولة وتراجع الاستثمار الصناعي الحقيقي.
ويستشهد المقال بتحذيرات خبراء اقتصاديين من تحول مصر إلى ما يشبه “الدولة الريعية العقارية”، التي تعتمد على بيع الأراضي والأصول بدلاً من تنمية اقتصاد تنافسي ومستدام.
ويخلص التقرير إلى أن إنقاذ الاقتصاد المصري يحتاج إلى إصلاحات أعمق تتجاوز الحلول السريعة، عبر تقليص العجز المالي وتحسين بيئة الاستثمار ودعم القطاعات الإنتاجية وخلق فرص عمل حقيقية، لا الاكتفاء بمشروعات ضخمة تخدم مصالح النخب الاقتصادية وتترك المواطن العادي تحت ضغط الديون والتضخم وتراجع الدخل.
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/egypts-bet-on-land-monetization/

